تمرّ السنوات الأولى من الأمومة مزدحمة بالتفاصيل: مواعيد، واجبات، تعب، متابعة، وقلق دائم. تكون الأم في قلب كل شيء، ويكاد يومها يُبنى بالكامل حول احتياجات أطفالها. لكن مع تقدّمهم في العمر، يحدث تحوّل صامت. يصبح لكل طفل عالمه الخاص، أصدقاؤه، انشغالاته، ومساحته المستقلة. هنا يبدأ شعور غريب بالتسلل: فراغ غير متوقّع.
هذا الفراغ لا يعني أن الأم لم تعد مهمة، بل يعني أن دورها تغيّر. المشكلة أن كثيرًا من النساء لم يُتح لهن التفكير بهويتهن خارج إطار الأمومة. وعندما يتراجع الاحتياج اليومي لهن، يظهر سؤال داخلي مؤجَّل: من أنا بعيدًا عن دوري كأم؟
بعض الأمهات يحاولن ملء الفراغ بمزيد من السيطرة أو التدخل في حياة الأبناء، وأخريات يدخلن في حالة حزن خفيف أو إحساس بفقدان المعنى. لكن المرحلة في حقيقتها فرصة نضج، لا خسارة. إنها مساحة لإعادة اكتشاف الذات: هواية مؤجلة، مهارة جديدة، اهتمام شخصي، أو حتى إعادة بناء العلاقة الزوجية بعيدًا عن ضغط التربية المباشر.
الأم التي تعيد تعريف نفسها بعد هذه المرحلة لا تخسر أبناءها، بل تكسب توازنًا صحيًا. فهي تظلّ سندًا، لكن دون أن يكون وجودها مرتبطًا فقط بحاجة الآخرين لها.
